السبت 6 ربيع الثاني 1440 الموافق ديسمبر 15, 2018
 

التمويل الذاتي للجامعات: هل يُعمّق مضامين المسؤولية المجتمعية للجامعة USR ؟ (2)

الاثنين, 9 أكتوبر, 2017

تناول المقال السابق الفرصة التي يمكن أن تُعين الجامعات على مزيد من الاستقلال الذاتي، وإيجاد مساحة أوسع للابتكار ولتشكيل هويتها عند تحول هذه الجامعات إلى مؤسسات ذاتية التمويل. وقدمت فيه مفهوم المسؤولية المجتمعية للجامعات والذي يبرز فيه الدور الحيوي للجامعة في المجتمع الذي وُجدت فيه. وهو ما يؤكد على ضرورة رسم هيكل المسؤولية المجتمعية لتلك الجامعات لتصبح فاعلة في خارطة التنمية المجتمعية المستدامة والإسهام في رؤية 2030.
وتحتاج الجامعة ابتداءً تحديد الجهات المعنية (المستفيدون) لتتمكن من تحقيق مسؤولياتها المجتمعية، فمنهم مدخلاتها وإليهم مخرجاتها ونواتجها، وتتحدد الكثير من عملياتها بناء عليها وعلى التغذية الراجعة المتحصل عليها أثناء تأدية الجامعة لأدوارها. فلم يعد مقبولاً من الجامعة أن تؤدي دور المطبعة التي توزع المزيد من شهادات التخرج، بل بات المجتمع/ الواقع/ العالم/ ......إلخ يُلزمها باحترام دورها المجتمعي الوظيفي، فمطلوب منها إنتاج المعرفة وتوزيعها، وابتكار التطبيقات الفعُالة والقادرة على الاندماج في المجتمع وتلمس احتياجاته والتخطيط لصالحه في ضوء هذه الاحتياجات، بل وتجاوز التوقعات في تقديم الأفضل لتحقيق رفاهية البشرية.
ويلزم الجامعة اليوم أن تتفهم حقيقة أنها نظام مفتوح يؤثر ويتأثر في البيئة التي يعيش فيها، فتمده بموارد متنوعة تمثل مدخلات، سواء كانت بشرية أو تنظيمية أو قيمية أو مادية، وكذلك بالفلسفة التعليمية والغايات والتوقعات والاحتياجات وأيضاً بالتغذية الراجعة. كما يقدم نظام الجامعة المفتوح لهذه البيئة العديد من المخرجات المتنوعة والخدمات المستمرة والمنتهية، سواء إن كانت مادية أو بشرية أو مجتمعية أو قيمية كذلك، وذلك عن طريق تقديم الخدمات التعليمية الأكاديمية والجهود البحثية والخدمات المجتمعية والإسهامات المهنية والإنتاج المعرفي والتأثير المجتمعي بشكل عام. وكنتيجة طبيعية لهكذا التزام فإن الهياكل والقرارات يتم بناؤها وصنعها بما ينسجم مع كل هذه العناصر مجتمعة، بذلك يمكننا وصف المسؤولية المجتمعية للجامعة بالسياسة الإدارية الأخلاقية للأداء الجامعي.
أما المبادئ التي تتبناها المسؤولية المجتمعية للمنظمات CSR كمفهوم عالمي معترف به لدى منظمة الأمم المتحدة، تعبر عنه بأيزو 26000 ، فهي مبادئ توجيهية محورية يلزم كل منظمة الإلتزام بها أياً كانت طبيعة نشاطها. هذه المبادئ هي القابلية للمساءلة، الشفافية، السلوك الأخلاقي، احترام مصالح الأطراف المعنية، احترام القانون، احترام أعراف السلوك الدولي، واحترام حقوق الإنسان. هذه المبادئ تُطبقها المنظمة المسؤولة على سياساتها وقراراتها وأنشطتها.
وتختص الجامعة بخصائص تميزها عن أي منشأة تنظيمية أخرى، لذا فإن تحديد المسؤولية المجتمعية للجامعة يتناسب مع طبيعتها الخاصة، فتظهر المسؤولية في مجالات مختلفة، وهي مجال التأثير التنظيمي الذي يتناول الجوانب المتعلقة بمعالم التنظيم الإداري في الجامعة، كغاية التنظيم والهيكل التنظيمي وخطوط الاتصال واتخاذ القرارات ونحوها، ومجال التأثير المعرفي الذي يتناول الجوانب المتعلقة بالنشاط الأكاديمي في الجامعة، ومجال التأثير البيئي الذي يتناول الجوانب المتعلقة بمعالم البيئة المادية في الحرم الجامعي، ومجال تأثير العلاقات الاجتماعية الذي يتناول الجوانب المتعلقة بعلاقات مجتمع الجامعة ببعضه داخل الحرم الجامعي من جهة، وبالمجتمع الخارجي من جهة أخرى، ومجال تأثير الموارد البشرية. ويمكن ملاحظة أن هذه المجالات تتأثر بوظائف الجامعة من التدريس الأكاديمي وإجراء البحوث والإنتاج العلمي وخدمة المجتمع وغيرها.
وهكذا يتضح بأن المسؤولية المجتمعية للجامعة لا تعني تقديم خدمات تطوعية قصيرة الأجل ما قد يتبادر للأذهان أحياناً، وإنما هي نظام متكامل مكون من استراتيجيات مُدمجة في صميم أداء العمل الجامعي، ويحقق فوائد مستدامة تنعكس على كامل المنظمة الأكاديمية والمجتمع الذي أنشأها وُيغذّيها.
ومن الاستراتيجيات التي تسهم في تحقيق الالتزام المجتمعي عبرها وتهدف لإحداث تأثير تنموي مستدام ويمكن للجامعة اتباعها سعياً لتحقيق مسؤوليتها المجتمعية: ترشيد الاستهلاك ورفع كفاءة الإنفاق، بناء برامج أكاديمية بينية، إجراء دراسات مسحية مجتمعية، المحافظة على الموارد الطبيعية واستدامة البيئة، المشاركة المجتمعية، وغيرها.
وبالنظر إلى ما سبق يمكن ملاحظة تركيز هذه الاستراتيجيات وتطبيقات المسؤولية المجتمعية المختلفة على بعدين رئيسين للتطوير يتعلقان بالكفاءة الاقتصادية Economic Efficiency والعدالة الاجتماعية Social Justice. لذلك فقد تكون فكرة الخصخصة فرصة يلزم استثمارها بذكاء لقيادة مسيرة التصحيح في التوجه الجامعي نحو ما يحقق مسؤوليتها المجتمعية.
ويتضح هنا أحد الفروق الأساس بين وظيفةخدمة المجتمع كأحد وظائف الجامعة وبين التزامها بالمسؤولية المجتمعية، وسيتم توضيحه في مقالات أخرى قادمة بإذن الله.

د. نوف بنت سليمان الخليوي

مقال
بواسطة:
تربوية وباحثة في المسؤولية المجتمعية للتعليم
عضو منذ: 15/10/2016
عدد المشاركات: 2